يدخل اليمن في مرحلة جديدة من الصراع أكثر خطورة من سابقاتها، حيث يبرز بشكل جلي الخلاف السعودي الإماراتي على الأرض والثروة والقرار، إذ تحول التدخل السعودي الإماراتي، الذي كان منسقا في السابق، إلى صراع عميق ومتصاعد على السلطة.
ما كان ينظر إليه لفترة طويلة على أنه حملة موحدة ضد الحوثيين، تحول الآن إلى تنافس على الأرض والموارد والسيطرة على صنع القرار السياسي، مما يهد وينذر ربما بحرب جديدة بالوكالة داخل بلد منهك بالفعل جراء ما يقارب العقد من الحروب والتدخلات الخارجية.
الخلاف السعودي الإماراتي إلى العلن
جاء ذلك في تقرير لموقع “إنسايد أوفر“، الذي وصف هذا الانقسام والخلاف السعودي الإماراتي بأنه “صراع على الأرض والثروة والقرار، ولا علاقة له بوحدة اليمن أو استقراره”.
ويشير التقرير إلى أن المواجهة بدأت تتجلى بشكل بارز في محافظتي حضرموت والمهرة الشرقيتين، حيث توسع المجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم من الإمارات سياسيا وعسكريا، بحيث تنظر الرياض إلى هذا التوسع على أنه تهديد قد يمهد إلى الانفصال الفعلي في الجنوب ويقوض استراتيجيتها الخاصة للتوصل إلى تسوية مع الحوثيين مع الحفاظ الشكلي على وحدة اليمن.
ورغم أن المملكة كانت شريكا أساسيا في تفكيك اليمن الذي ترفع شعار وحدته اليوم، إلا أنها تدرك أن الانفصال في الجنوب يعني تقديم الاعتراف الضمني إلى الحوثيين بسلطتم في الشمال، أي نسف جهدها الدبلوماسي وتحويله إلى استثمار خاسر، لذلك فإنها تحاول إدارة الخسائر.
إعادة تموضع الرياض
سحبت السعودية مؤخراً قواتها وأعادت نشرها، موجهة أولوياتها نحو المناطق الحدودية الغنية بالنفط أي بين حضرموت ومأرب، وهنا يصف الباحث اليمني عبد الله الهندي هذه الخطوات بأنها “إعادة تموضع مدروسة” تهدف إلى تقليل الاحتكاك وإعادة تقييم النفوذ بدلا من الانسحاب من الساحة.
وفي الوقت نفسه، برزت انقسامات داخل المجلس القيادي الرئاسي المعترف به دولياً، حيث يقف رئيسه رشاد العليمي ونائبه سلطان العرادة ضد الإجراءات الأحادية للمجلس الانتقالي الجنوبي، ويمنح موقفهما الرياض شرعيةً سياسيةً لمقاومة التقدم المدعوم من الإمارات، ويسلط الضوء على الانقسام الداخلي المتزايد داخل المجلس نفسه.
من شراكة إلى مواجهة
يؤكد موقع “إنسايد أوفر” على أن التحالف ضد الحوثيين لم يرتق قط إلى مستوى التحالف الاستراتيجي، بل كان شراكة مؤقتة انهارت بمجرد تحول الصراع من قتال الحوثيين إلى التنافس على النفوذ.
ويحول المجلس الانتقالي الجنوبي، المدعوم من الإمارات، وجوده العسكري إلى هيمنة سياسية لا سيما في حضرموت؛ المحافظة الأكبر من حيث المساحة بحيث تشكل مايقارب 36% من مساحة اليمن والأغنى من حيث الموارد النفطية وتضم موانئ استراتيجية مثل المكلا والضبة. وذلك لإداركه بأن السيطرة على حضرموت تعني امتلاك مفاتيح الإيرادات وقوة التفاوض مع الأطراف الخارجية فهي الورقة السياسية والاقتصادية الحاسمة.
ونشر السعودية اليوم لأكثر من 20 ألف مقاتل من قوات “درع الوطن” في الوديعة والعبر لا علاقة له بمواجهة الحوثيين، بل هو بمثابة تحذير مباشر ورسالة للمجلس الانتقالي الجنوبي بأن التوسع له حدود وخيارات المواجهة مطروحة.
حرب بالوكالة والطريق نحو التقسيم
تظهر التهديدات السعودية بشن غارات جوية على مواقع المجلس الانتقالي الجنوبي بالرغم من استمرار الدعم الإماراتي له، اتساع نطاق الخلاف السعودي الإماراتي وسيره نحو صدام محتمل عبر وكلائهم المحليين، حيث تغيب مؤسسات الدولة وتسيطر الميليشيات في بلد منهك من الحرب وسهل الاختراق والتجنيد.
وقد بدأ هذا التوتر يتصاعد بالفعل، بحيث يعكس ماحدث مؤخراً من هجوم بالطائرات المسيّرة على قوات المجلس الانتقالي الجنوبي في وادي حضرموت، والذي لم يكشف عن هوية منفذيه، تعدد الأطراف الفاعلة والتصعيد الخطير على الأرض.
ويسيطر المجلس الانتقالي الجنوبي على معظم أراضي الجنوب ويرفض المطالب السعودية بالانسحاب من حضرموت والمهرة، مما يضع السعودية أمام خيارين؛ إما أن تستخدم القوة لفرض رؤيتها أو أن تقبل بالواقع الحالي. وكلا الخيارين يقربان اليمن من التقسيم المحتمل فالأول يسرع من تفكك الدولة والثاني يكرس التقسيم، وفي الحالتين يعزز الحوثيين من موقفهم العسكري والتفاوضي.
ولكن ماهو مؤكد أنه في الخلاف السعودي الإماراتي، وحدهم اليمنيون هم من سيستمر في دفع الثمن الأغلى من دماء وجوع ونزوح، ودولة يتم تقسيم ماتبقى منها بين الأطراف المتنافسة.
وعلى الرغم من التحذيرات من أن التصعيد قد يمتد إلى البحر الأحمر والقرن الأفريقي وممرات التجارة الدولية، لا يزال الفاعلون الدوليون يقفون متفرجين بصمت، ولم تترجم الخطابات والبيانات الرسمية الداعمة لوحدة اليمن إلى إجراءات ملموسة.
ختاماً، الخلاف السعودي الإماراتي في اليمن يؤكد حقيقة لامفر منها بأن هذا البلد الذي عانى ولا يزال يعاني من ويلات الحرب، لا يتجه نحو السلام بل نحو حرب أهلية جديدة عنواها النفوذ والموارد وتديرها القوى نفسها التي كانت جزءاً من خراب البلاد باسم استعادة الشرعية، لتمزق ما تبقى وتتقاتل فيما بينها عبر الوكلاء المحليين على الغنائم.
المصدر: مسقط 24
