سجلت عمليات الإعدام في السعودية رقماً قياسياً في عام 2025، حيث بلغ 347 عملية إعدام متجاوزة بذلك الرقم المسجل في العام الماضي والبالغ 345، ليكون هذا العام من الأعوام الأكثر دمويةً في تاريخ السعودية.
تصف منظمة “ريبريف” البريطانية لحقوق الإنسان، التي ترصد عمليات الإعدام في المملكة، وكذلك منظمات حقوق الإنسان الأخرى، هذه الزيادة بأنها تصعيد غير مسبوق للقمع يعكس سياسة ممنهجة تؤثر بشكل كبير وسلبي على الفئات الأكثر ضعفا في المجتمع السعودي بما فيهم الأجانب والنساء والقاصرون والمعارضون السياسيون.
الإعدام في السعودية: حقائق
مؤخراً شملت عمليات الإعدام في السعودية، مواطنين باكستانيين اثنين أُدينا بجرائم متعلقة بالمخدرات، وذلك ضمن الحملة التي تسميها السلطات السعودية بـ”الحرب على المخدرات”، بحيث كان أكثر من نصف الذين طبق بحقهم الإعدام من الأجانب، الأمر الذي يسلط الضوء على الوضع الهش للعمال المهاجرين والمتهمين غير السعوديين الذين غالباً ما يواجهون صعوبة في الحصول على محامي أو استشارات قانونية أو دعماً قنصلياً، مما يزيد من احتمالية استخدام أحكام الإعدام هذه كغطاء لتصفية هذه الفئات بلا محاكمات عادلة أو ضمانات قانونية.
وفي سياق متصل ووفقاً لمنظمة “ريبريف”، فإن ما يقرب من ثلثي عمليات الإعدام في السعودية هذا العام كانت جراء تهم تتعلق بجرائم مخدرات غير قاتلة، وهو ما تعتبره الأمم المتحدة انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي.
ومن بين أكثر قضايا الإعدام في السعودية إثارة للجدل لهذا العام، كانت قضية إعدام الصحفي تركي الجاسر، الذي كان معروفا بإدارته لحساب “كشكول” على منصة “إكس” (تويتر سابقا) الذي كان دائماً ما يكشف ملفات تتعلق بالفساد والانتهاكات الحقوقية داخل العائلة المالكة وأجهزة الأمن.
اعتقل الجاسر منذ عام 2018 ضمن حملة أمنية واسعة وتم تغييبه قسرا لمدة طويلة في سجن الحائر سيئ السمعة وخضع لمحاكمات تفتقر لأدنى مقومات الشفافية حيث تعرض للتعذيب وحُرم من محاكمة علنية أو حضور محام أو التواصل مع أسرته، ليعلن إعدامه فيما بعد في يونيو 2025، بحيث وفقا لشهادة عائلته، لم يتم إبلاغهم بالحكم أو موعد الإعدام ولم تسلمهم السلطات جثمانه بعد التنفيذ، في أسلوب متكرر لإرهاب أسر الضحايا ومنعهم من إقامة جنازات علنية قد تتحول لاحتجاجات سياسية.
وأكدت العديد من المؤسسات الصحفية والحقوقية حينها، أن التهم المتعلقة “بالخيانة” أو “التعاون مع جهات خارجية” الموجهة له تفتقر للأدلة ويحيطها الغموض، وأن مسار المحاكمة لم يستوف معايير العدالة الدولية، مشددين على أن القمع امتد ليشمل من يجرؤ على فضح الفساد أو نشر معلومات حساسة.
كما شملت عمليات الإعدام في السعودية لهذا العام قضايا أخرى مثيرة للجدل، بما فيها إعدام شابين كانا قاصرين وقت اعتقالهما لمشاركتهما في احتجاجات، وخمس نساء.
وتفيد منظمات حقوق الإنسان بأن هذه القضايا شابتها انتهاكات جسيمة، بما في ذلك التعذيب وانتزاع الاعترافات بالإكراه، ومن الأمثلة الصارخة على ذلك قضية عصام الشاذلي، وهو صياد مصري شاب اعتقل عام ٢٠٢١ في المياه الإقليمية السعودية. وقال أنه أُجبر على تهريب المخدرات قبل إعدامه.
كما أشارت منظمة “ريبريف” إلى أن ٩٦ عملية إعدام هذا العام كانت مرتبطة بجرائم تتعلق بالقنب (الحشيش)، مما يدل على أن الهدف الأساسي يبدو هو بث الخوف والقمع بدلاً من تحقيق العدالة.
إدانات حقوقية
ومنذ تولي ولي العهد الأمير محمد بن سلمان السلطة عام 2017، شهدت المملكة السعودية تغييرات اجتماعية واقتصادية ملحوظة، شملت تخفيف القيود وفتح البلاد أمام الاستثمار الدولي والترفيه. ولكن مع ذلك، تصر منظمات حقوق الإنسان، بما فيها هيومن رايتس ووتش، على أن هذه الإصلاحات لم تسهم كثيراً في معالجة الانتهاكات الممنهجة وأن سجل المملكة في مجال حقوق الإنسان لا يزال “مروعا”.
وأدانت جيد بسيوني، رئيس قسم عقوبة الإعدام في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بمنظمة “ريبريف”، نهج المملكة، معتبرةً بأن السعودية تتصرف الآن “بإفلات تام من العقاب وباستهزاء بالمعايير الدولية لحقوق الإنسان”. وأضافت أن التعذيب والإكراه متأصلان بعمق في نظام العدالة الجنائية مما يجعل حملة الإعدامات الحالية وحشية وتعسفية.
وتعيش عائلات المحكوم عليهم في خوف دائم، ففي شهادات لأقارب المحكومين بالإعدام نقلتها هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي)، قالوا أنهم لا يستطيعون النوم إلا يومي الجمعة والسبت، وهما اليومان اللذان لا تنفذ فيهما الإعدامات، مضيفين أن السجناء في كثير من الأحيان يشهدون اقتياد زملائهم من الزنزانة إلى الإعدام وهم “يصرخون ويقاومون”.
كما تُسلط هيومن رايتس ووتش ومنظمة ريبريف الضوء على غياب المساءلة في هذه القضايا، بحيث غالباً ما لا يتم إخطار العائلات قبل عمليات الإعدام ولا يتم تسليم الجثامين وتُخفى مواقع الدفن. ورغم أن طريقة الإعدام غير معلنة رسمياً، إلا أن المنظمات تعتقد أنها تتم إما بقطع الرأس أو رمياً بالرصاص.
وقد دعا موريس تيدبول باينز، المقرر الخاص للأمم المتحدة المعني بحالات الإعدام خارج نطاق القضاء، في رسالة رسمية، إلى وقف فوري لعمليات الإعدام والالتزام الكامل بالضمانات الدولية، بما في ذلك التمثيل القانوني المناسب وإمكانية الوصول القنصلي وإخطار العائلات والشفافية في نشر البيانات.
ختاماً، تنفي الحكومة السعودية ارتكاب أي مخالفات رغم الإدانات الدولية المتكررة، ففي رسالة إلى الأمم المتحدة في يناير/كانون الثاني 2025، زعمت السلطات أنها تحترم حقوق الإنسان ولا تطبق عقوبة الإعدام إلا في “أخطر الجرائم” بعد استنفاد جميع درجات التقاضي. ومع ذلك، فإن الزيادة في عمليات الإعدام وشهادات العائلات والسجناء والاستهداف الممنهج للفئات الضعيفة والهشة، ترسم صورة مختلفة عن الواقع تشير إلى أن ما يحدث هو حملة ممنهجة من عمليات الإعدام في السعودية يتم شرعنتها باسم القانون ودون أي رقابة أو محاسبة.
المصدر: مسقط 24
