يعد مصطلح التطبيع السعودي الإسرائيلي من أبرز العناوين الاستراتيجية في الشرق الأوسط اليوم، ويشير إلى جهود المملكة العربية السعودية وإسرائيل لإقامة علاقات دبلوماسية أو شبه رسمية، مدعومة من الولايات المتحدة.
ففي تقرير نشرته صحيفة “إسرائيل اليوم” تم التطرق إلى “جدول التطبيع السعودي الإسرائيلي” الذي يظهر تسارعاً ملحوظاً في المحادثات خلال عام 2023، رغم الحرب على غزة والرفض الشعبي العربي والإسلامي.
التطبيع السعودي الإسرائيلي: الخلفية
منذ مبادرة السلام العربية عام 2002، ظلت المملكة العربية السعودية تشترط وجود دولة فلسطينية مستقلة كرهان لأي تطبيع مع إسرائيل. إلا أن الواقع بدأ يتغير تحت تأثير تغيرات جيوسياسية، وعلى رأسها عداء إسرائيل المتزايد لإيران، وتحول الولايات المتحدة نحو إعادة ترتيب تحالفاتها في الشرق الأوسط، ما دفع إلى تسريع الحديث عن التطبيع السعودي الإسرائيلي.
ففي مقابلة نادرة، صرح ولي العهد السعودي محمد بن سلمان “كل يوم نقترب أكثر” من إسرائيل، في إشارة إلى التطبيع.
التقرير التمهيدي عن التطبيع السعودي الإسرائيلي الذي نشرته “إسرائيل اليوم” يشير إلى أن الاتصالات بين محمد بن سلمان ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو جرت بشكل مباشر خلال عام 2023، وأن المباحثات لم تتوقف، رغم الحرب على غزة والعداء الشعبي.
وفي هذا الإطار، يُظهر المسار أن السعودية وإسرائيل تعملان على ما يمكن تسميته “تطبيعاً تدريجياً” أو سياسات تكامل غير معلن قبل الإعلان الرسمي الكامل.
الدوافع
السعودية: المملكة ترى في التطبيع السعودي الإسرائيلي مدخلاً للحصول على التكنولوجيا الإسرائيلية المتقدمة في الأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي، بما يتوافق مع “رؤية 2030” التي يقودها ولي العهد.
كذلك تطمح السعودية إلى ضمان أمنها الدفاعي عبر تحالف مع الولايات المتحدة وإسرائيل لتحقيق الردع. كما يشير التقرير إلى أن السعودية شاركت عملياً في دعم إسرائيل خلال مواجهتها مع إيران، عبر اعتراض طائرات مسيّرة إيرانية كانت متجهة إلى تل أبيب.
في المقابل، تتحسس السعودية من الضغط الشعبي والإسلامي عليها، ولذلك فإنها تشترط أن يكون التطبيع مراعياً للقضية الفلسطينية، وهو ما تكرره الرياض دائماً.
إسرائيل: تعتبر إسرائيل أن توقيع التطبيع السعودي الإسرائيلي يمثل مكسباً استراتيجياً كبيراً: فمن جهة فتح سوق سعودي كبير، ومن جهة أخرى تعزيز مشروعها لتصبح اللاعب المحوري في الشرق الأوسط. التقرير يربط ذلك بمشروع ربط آسيا أوروبا عبر الموانئ الإسرائيلية والممرات التي تشمل السعودية.
وأمنياً، تسعى إسرائيل إلى تحالفات إقليمية جديدة لمواجهة إيران، وتحاول أن تدمج السعودية ضمن هذا المحور.
الولايات المتحدة: تلعب واشنطن دور الوسيط والمحفز لمسار التطبيع، خصوصاً في ظل مشروع يعرف بـ“اتفاقات أبراهام”، التي حاولت ضم السعودية إليها. التقرير يشير إلى أن إدارة دونالد ترامب تعمل على إعادة تنشيط هذه الاتفاقات كأداة مركزية في هندسة الشرق الأوسط.
ومن منظور أميركي، فإن التطبيع السعودي الإسرائيلي يعد عنصراً لمحور ردع إقليمي ولتعزيز النفوذ الأميركي في مواجهة إيران والصين في المنطقة.
الواقع والتحديات
رغم التصريحات بأن “كل يوم نقترب أكثر”، فإن السعودية تشدد على أن التطبيع السعودي الإسرائيلي لن يعلن إلا بعد تحقيق “حل الدولتين” أو على الأقل خطوات ملموسة نحو دولة فلسطينية مستقلة.
من ناحية إسرائيل، هناك مقاومة داخل الحكومة التي يرأسها نتنياهو، حيث صرح وزير المالية الإسرائيلي سموتريتش بأن إسرائيل لن تقبل تطبيعاً يتضمن إقامة دولة فلسطينية.
كما أن الحرب في غزة وتداعياتها أثرت على المسار، إذ إن استمرار العمليات العسكرية أبطأ من وتيرة المحادثات، كما أن الرأي العام السعودي والعربي لا يزال معارضاً للتطبيع الكامل.
ومن جانب اقتصادي، هناك تساؤل حول مدى قدرة التطبيع السعودي الإسرائيلي على توليد فوائد فعلية للسعودية، وليس فقط شراكات رمزية، رغم الدراسات التي تبين أن اتفاقات السلام تعيد توزيع النمو الاقتصادي بعائدات واضحة.
التأثيرات المحتملة
إذا نفذ التطبيع السعودي الإسرائيلي رسمياً، فسيحدث تغيراً عميقاً في خريطة الشرق الأوسط: تحالفاً أمنياً واقتصادياً جديداً يضم الرياض وتل أبيب، ويحتمل أن يشمل ممرات تجارية ضخمة وربطاً بين آسيا وأوروبا عبر الخليج والبحر الأحمر. ويربط التقرير الصادر من “إسرائيل اليوم” ذلك برؤية السعودية 2030 والمشاريع العابرة للقارات.
في المقابل، هذا التطبيع قد ينظر إليه في الشارع العربي والإسلامي كتحول في أولويات السعودية: بدلاً من “تحرير فلسطين” ربما تتحول إلى “إدارة القضية”، وهو ما يعزز الشعور بأن القضية أصبحت أداة في لعبة إعادة ترتيب الشرق الأوسط.
كما أن التأثير الشعبي الكبير، فقد يؤدي الإعلان عن مثل هذا التطبيع إلى تراجع الدعم الشعبي للسعودية في العالم العربي، وربما يطلق موجة من احتجاجات أو يعطي زخماً أكبر لحركات تعارض التطبيع.
وعلى الرغم من أن التطبيع السعودي الإسرائيلي لم يعلن رسمياً بعد، فإن القنوات ما زالت مفتوحة. بعض الخبراء يؤكدون أن المسار لم يلغ بل تغيرت الظروف والموقع. فالسعودية بدت أنها تفضل استمرار الاتصالات خلف الكواليس والاعتماد على خطوات تدريجية بدلاً من إعلان مفاجئ قد يثير ردة فعل داخلية أو عربية.
وفي الوقت ذاته، إسرائيل تنتظر تقديم تنازلات أو على الأقل تغيرات ملموسة، ولا ترغب بأن يستثمر إعلان مفهوم التطبيع السعودي الإسرائيلي فقط كوسيلة دعائية قبل أن تتوفر الضمانات.
من هنا، يبدو أن الآن مرحلة “تحضير أرضية إعلان” وليس أعلان فوري، بمعنى أن الزخم موجود لكن المتغيرات الإقليمية بمت فيها حرب غزة والانتخابات في إسرائيل والولايات المتحدة تؤخر الإعلان الكامل.
ختاماً، يعد التطبيع السعودي الإسرائيلي أكثر من مجرد علاقة دبلوماسية بين السعودية والاحتلال، فهو مشروع كبير يضم أبعاداً اقتصادية وأمنية وتقنية وحتى شعبية وإقليمية.
السعودية تتحرك بحذر، إسرائيل تترقب، والولايات المتحدة تحاول الدفع. أما الفلسطينيون والجمهور العربي فهما اللاعبان اللذان قد يقرر موقف هذا المسار.
المصدر: مسقط 24
