قمع خطباء غزة: الانتقالي المدعوم إماراتيا يعتقل خطيبا في عدن

عدن

في واقعة تكشف مدى التدهور الحاصل في المشهد اليمني بفعل التدخلات الخارجية وضمن ما بات يعرف بـ قمع خطباء غزة، أقدمت قوة تابعة لـ”الحزام الأمني”، أحد التشكيلات العسكرية الموالية للمجلس الانتقالي الجنوبي والمدعوم بشكل مباشر من الإمارات، على اقتحام مسجد عمر بن الخطاب في مدينة عدن، أثناء صلاة الجمعة، واقتادت الشيخ محمد الكازمي إلى جهة مجهولة.

السبب؟ خطبته التي تناولت العدوان الإسرائيلي على غزة ورفض التطبيع العربي مع الكيان الصهيوني. هذه الحادثة تندرج ضمن ما بات يعرف بـ قمع خطباء غزة، كظاهرة تتسع في الدول المتحالفة مع الاحتلال وخاصة الإمارات كجزء من سياسة متكاملة تمارسها أبوظبي لقمع الأصوات المؤيدة للقضية الفلسطينية وترويج الرواية الصهيونية في العالم العربي، في وقت تواصل فيه إسرائيل ارتكاب المجازر بحق المدنيين في غزة.

قمع خطباء غزة بيد إماراتية

يوم الجمعة، 21 يونيو 2025، اقتحمت قوة أمنية تابعة للحزام الأمني المدعوم من الإمارات، مسجد عمر بن الخطاب في حي السنافر بمدينة عدن. أوقفت القوة الشيخ محمد الكازمي، واقتادته قسرا أمام المصلين، دون إبراز أمر قضائي أو مذكرة توقيف، ما أحدث صدمة واسعة في الأوساط الشعبية والدينية.

الشيخ الكازمي كان قد ألقى خطبة مؤثرة، وصف فيها ما يجري في غزة بأنه “حرب إبادة جماعية”، منتقدا الصمت العربي والتطبيع المتسارع مع إسرائيل. وقال إن “الدول التي تبرر جرائم الاحتلال لا تختلف أخلاقيا عن من يضغط الزناد”. هذه الكلمات لم تمر مرور الكرام على الجهات الموالية للإمارات في عدن، والتي سارعت إلى إسكات هذا الصوت بوسائل تعسفية.

وتأتي هذه الحادثة في ظل اتساع نطاق قمع خطباء غزة من قبل أنظمة تسعى لتجفيف منابع الدعم الشعبي للمقاومة، وفرض نموذج إعلامي وديني متماهٍ مع السياسة الخارجية لأبو ظبي وتل أبيب.

اعتقال الشيخ محمد الكازمي من قبل قوة تابعة للانتقالي المدعوم إماراتيا بسبب دعمه لغزة

الإمارات وغزة: بين الصمت والتبرير

منذ بداية العدوان الإسرائيلي على غزة في أكتوبر 2023، اتخذت الإمارات موقفا يثير الاستغراب. فرغم آلاف القتلى والجرحى بين المدنيين، خصوصا النساء والأطفال، لم تبد أبو ظبي موقفا واضحا يدين الجرائم الصهيونية، بل اكتفت بدعوات “التهدئة” و”ضبط النفس” من الطرفين، دون تحميل الاحتلال أية مسؤولية.

الأسوأ من ذلك، أن مسؤولين إماراتيين بارزين، من بينهم وزير الدولة للشؤون الخارجية، صرحوا بأن إسرائيل “تمارس حقها في الدفاع عن النفس”، في خطاب مطابق للرواية الصهيونية حرفيا. وظهرت أصوات إعلامية مقربة من السلطات الإماراتية تتهم “حماس” بأنها المسؤولة عن “جرّ غزة للدمار”.

في السياق ذاته، تم تنظيم لقاءات اقتصادية وثقافية مشتركة بين الإمارات وإسرائيل، حتى خلال ذروة القصف، في تجاهل صارخ لمعاناة الغزيين. ويبدو أن قمع خطباء غزة ليس إلا امتدادا طبيعيا لهذا الانزلاق السياسي والأخلاقي.

عدن كنموذج لاختراق السيادة

أصبحت عدن، منذ استيلاء المجلس الانتقالي الجنوبي عليها، مسرحا لسياسات إماراتية غير خاضعة لأي رقابة وطنية يمنية. قوات “الحزام الأمني” التي نفذت اختطاف الكازمي، دربتها ومولتها الإمارات، وهي تعمل خارج سلطة الحكومة المعترف بها دوليا.

وتُتهم هذه القوات بارتكاب سلسلة من الانتهاكات ضد المعارضين السياسيين والدعاة المستقلين. وسُجلت عشرات حالات الإخفاء القسري والاعتقال دون محاكمة، فضلا عن إغلاق مساجد وجمعيات دينية بذريعة “مكافحة التطرف”، في حين أن كل ما فعله الشيخ الكازمي هو التعبير عن تضامنه مع شعب محاصر يُذبح على مرأى العالم.

قمع خطباء غزة أصبح اليوم سياسة ممنهجة في المناطق التي تخضع للنفوذ الإماراتي، في اليمن وخارجه.

تكيم الأفواه وازدواجية الخطاب الإماراتي

في يونيو 2024، أصدرت العفو الدولية بيانا يشير إلى أن إدارة جامعة نيويورك – أبوظبي حظرت تنظيم أي فعاليات تضامن مع غزة، واعتقلت وترحلت طالب دكتوراه ومدرس عبر التنسيق مع الأجهزة الأمنية الإماراتية، وتعرض الآخرون للاستجواب والتهديد لإسكات أصوات التضامن.

وفي أبريل 2024، استدعى جهاز “أمن الدولة” إماراتيين وغير إماراتيين بتهم تتعلق بنشر “معلومات خاطئة” تدعم فلسطين أو تنتقد إسرائيل.

كما طُرد طالب دكتوراه أردني من الإمارات بعد إبدائه تضامناً صامتاً فلسطينياً، وعومل دون محاكمة، وهو ما توثقّه تقارير “هيومن رايتس ووتش” و”الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان”.

وتعرض الصحفية ليلى حامد في مطار أبوظبي لتفتيش مستفز وطُلب منها إزالة أو تغطية قميص دعم “فلسطين”، ما أثار جدلاً على وسائل التواصل.

بالإضافة إجراءات عديدة في هذا السياق مثل:

  • منع ارتداء الكوفية الفلسطينية وعرض منشورات عن غزة، مع تهديد بالعقوبات والملاحقات لكل من يحاول التعبير عن دعمه للقضية.
  • سحب الجنسية من نشطاء إسلاميين ومدنيين عبر تهم بـ”الإرهاب” أو “التآمر”، كانت بسبب دعمهم للفلسطينيين أو معارضتهم التطبيع.
  • فصل موظفين بسبب ارتداء كوفية أو شعار “Free Palestine” في أحداث أو منشورات خاصة بهم.

تحاول الإمارات الترويج لنفسها كـ”قوة سلام واستقرار” في المنطقة، لكنها في الوقت ذاته تدعم أطرافا تنتهك الحريات وتقمع الدعاة وتروج لخطاب صهيوني، لا يختلف كثيرا عن ذلك الذي يصدر من تل أبيب أو واشنطن. وقد علّق ناشطون يمنيون على الحادثة الأخيرة بالقول: “عندما تصبح خطبة عن غزة تهمة، ندرك من يحكم عدن حقا”.

ورأى محللون أن صمت أبو ظبي عن اختطاف الكازمي، رغم الضجة الواسعة، يؤكد تورطها المباشر، ويعكس خوفها من أي خطبة أو موقف ديني يعيد إلى الواجهة رواية المظلومين في غزة، مقابل محاولاتها المتكررة لتجميل صورة الاحتلال وتسويق “السلام الإبراهيمي”.

ختاماً، إن حادثة اختطاف الشيخ محمد الكازمي، على خلفية خطبته الرافضة للتطبيع والمدافعة عن غزة، تمثل حلقة في سلسلة طويلة من قمع خطباء غزة في العالم العربي، خصوصا في الدول التي اختارت الاصطفاف خلف الكيان الصهيوني على حساب الشعوب وحقوقها.

الإمارات التي اختارت أن تصمت على المجازر، وتروج للرواية الصهيونية، باتت اليوم تسعى إلى إسكات كل من يذكرها بدماء الفلسطينيين. وما جرى في عدن ليس سوى مرآة لحالة الانحدار السياسي والأخلاقي، في وقت بات فيه الدفاع عن غزة جريمة يعاقب عليها الإنسان بالخطف والإخفاء.

المصدر: مسقط 24

→ السابق

الهجمات الإيرانية على إسرائيل تفضح ضعف الكيان الصهيوني

التالي ←

شييع مهيب في شوارع طهران للقادة والعلماء النوويين

اترك تعليقاََ

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

الأكثر قراءة