في تطور خطير يُبرز حجم التدخل السياسي في الجامعات الأمريكية، أعلنت جامعة كولومبيا عن سحب أوراق 80 طالبا داخليا وخارجيا، أو تعرضهم لعقوبات تأديبية جادة، بسبب دعمهم لفلسطين واحتجاجهم على حرب غزة.
ويشير هذا القرار إلى أن ضغوط إدارة ترامب على الجامعات لا تقتصر على تخويف الطلاب أو فرض رقابة، بل تتخطى ذلك باتخاذ إجراءات قمعية تنال من حرية التعبير وحق التضامن مع المدنيين في غزة. ما يزيد الطين بلة أن إدارة ترامب هددت بوقف التمويل الفيدرالي للجامعة بقيمة تزيد عن 400 مليون دولار، إذا لم تتخلى عن حماية هذه الأصوات المناهضة لحرب الاحتلال.
ضغوط إدارة ترامب بين وقف التمويل وحرية التعبير
تأتي هذه الإجراءات بعد تسوية سياسية وقعتها الجامعة من أجل استعادة أكثر من 400 مليون دولار تم توقيفها من التمويل الفيدرالي، وفقا لمطالب الإدارة الأمريكية. وقد سبق وأعلنت الجامعة أن نحو 70 إلى 80 طالباً تعرضوا لعقوبات تطال الإيقاف الأكاديمي أو الفصل أو حتى إلغاء الشهادات في بعض الحالات.
وقد شملت العقوبات ضرورة تقديم اعتذار رسمي بموجب شروط العودة، وهو ما رفضه عدد من الطلاب، معتبرين ذلك تطويعا سياسيا بوحي من ضغوط إدارة ترامب على الجامعات لمن يرون أنهم يتعدون على “رواية رسمية” حول غزة.
تبع هذه الإجراءات قرارا تنفيذيا وقع في يناير 2025، ينص على تقرير عن مكافحة معاداة السامية في الجامعات، وأعطان الحقوقيين مسؤوليات لمراقبة دعاوى النزاع الأكاديمي.
هذا القرار، وأوامر أخرى رفعتها الإدارة لاحقا، مثل توجيه وزارة الخارجية ووزارة التعليم لفحص الخريجين والطلاب والمختصين الأجانب، أظهرت أن ضغوط إدارة ترامب على الجامعات توسعت لتطال تأشيرات آلاف الطلاب، بحيث تم إلغاء أو تعليق أكثر من ألفي تأشيرة لطلاب أجانب بسبب مشاركتهم في احتجاجات مؤيدة لغزة أو تضامن معهم.
حصار الأكاديميين المنتفضين
في سياق مشابه، نشرت مذكرات رسمية عن إلغاء التأشيرات لعدد من الباحثين والأكاديميين، مثل الطالبين محمود خليل ومحسن مهدوي، كما تم إيقاف تأشيرات المئات من طالبي الدكتوراه الذين أعربوا عن دعمهم لفلسطين.
هذه الخطوات لا تتعدى كونها جزءا من حملة ضغوط إدارة ترامب على الجامعات لحظر أي صوت يُعارض رواية الدولة حول الاحتلال، وهو ما دفع نقابات أبحاث وجماعات حقوقية لرفع دعاوى قانونية دفعتها المحكمة لاستعادة الوضع القانوني لبعض هؤلاء الطلاب.
إضافة إلى تخفيض التمويل، حظرت الجامعة مجموعة CUAD (Columbia University Apartheid Divest)، المنظمة التي قادت الاحتجاجات المناهضة للحرب، وطلبت من طلابها الغاء الحمل الرمزي، وألزمتهم سياسات تأديبية صارمة.
وتأتي هذه الإجراءات ضمن منظومة ضغط متعدد الجوانب (سياسي ومالي وإداري) لتثبيت هدف أساسي: تهميش أي صوت داعم لعزة، وفهمها على أنها “معاداة للسامية” بحسب التفسير المتشدد الذي تتبناه السياسة الأمريكية الراهنة، ما يُعد نموذجا عمليا على ضغوط إدارة ترامب على الجامعات التي تسعى لتطويع الساحة الأكاديمية.
الردود الحقوقية والمجتمعية
واجهت هذه الإجراءات رفضا واسعا من منظمات مثل ACLU والرابطة الأمريكية للأكاديميين الجامعيين، التي اعتبرت أن ما حدث يندرج ضمن سياسة قمعية تستهدف حرية التعبير، خصوصا للطلاب الأجانب الذين تتم معاملتهم كأنهم خارج مظلة الحقوق الدستورية الأمريكية.
كما أحالت القضية إلى القضاء الفيدرالي، حيث تدرس المحكمة ما إذا كانت ضغوط إدارة ترامب على الجامعات التي طالت حماية الطلاب هي توجه دستوري مشموح به وفق التعديلات الأولى، أم تنتهك مبدأ التعددية الفكرية الذي يُفترض أن تحميه المؤسسات التعليمية.
القاضية ويليام يونغ أبدت مخاوف من آلية جمع بيانات حول آلاف الطلاب والنشطاء عبر تقنيات آلية وعنصرية تُصف بـ “Catch and Revoke” التي استخدمت قوائم جهازية، كل ذلك يعكس مدى عمق أثر ضغوط إدارة ترامب على الجامعات.
ختاماً، تدفع هذه التطورات إلى استنتاج واضح: حرية التعبير والاحتجاج الأكاديمي لم تعدا حكراً على الشعارت الرمزية في الشوارع أو المنصات الرقمية، بل أصبح يُصارع عليها داخل أرقى الجامعات الأمريكية، حيث تمارس ضغوط إدارة ترامب على الجامعات لتخنق أي صوت يفكر خارج القالب السياسي المدعوم رسميا. وإذا كانت كولومبيا قد دفعت ثمناً لإعادة التمويل، فإن مصير الطلاب الذين طردوا أو تركوا بغير مستقبل أو تأشيرة تشكل تذكيرا مؤلما بأن الديمقراطية الأميركية تسقط أولا حين تمس حرية التضامن والدفاع عن الحقوق الإنسانية.
المصدر: مسقط 24
