تزامنا مع عيد الهالوين وفي ليلة مليئة بالاحتفالات الصاخبة، انطلقت بطولة كأس الإمارات لكرة السلة (NBA) السنوية وسط عرض ضخم برعاية رسمية من دولة الإمارات. ولكن في الوقت نفسه، كانت قوات الدعم السريع (RSF) تجتاح أكبر مدن غرب السودان، مرتكبة مجازر واغتصابات وأعمال تطهير عرقي ضد المدنيين، مستخدمة أسلحة يعتقد، وفقا لتقارير متعددة، أنها مُوردة من الدولة الخليجية نفسها.
هذا التزامن الصارخ بين حدث رياضي عالمي وكارثة إنسانية متفاقمة لفت انتباها حادا، حيث أشارت صحيفة الغارديان البريطانية إلى أن الإمارات تستغل الرياضة الدولية لتحسين صورتها العالمية وتشتيت الانتباه عن اتهامات التورط في واحدة من أبشع الفظائع الجماعية في القرن الحادي والعشرين.
كأس الإمارات لكرة السلة
ووفقا لصحيفة الغارديان، فإن بطولة كأس الإمارات لكرة السلة (NBA) لا تمثل سوى بعد واحد من شراكة متنامية بسرعة بين رابطة كرة السلة الأمريكية للمحترفين (NBA) والإمارات تحت مسمى كأس الإمارات لكرة السلة (NBA). وتتجاوز هذه العلاقة البطولة لتشمل مباريات ما قبل الموسم التي تقام في أبوظبي بشكل سنوي، واتفاقية رعاية تجارية رئيسية مع طيران الإمارات وخططا لإنشاء أكاديمية عالمية المستوى تابعة لرابطة كرة السلة الأمريكية للمحترفين (NBA) في حرم جامعة نيويورك أبوظبي.
وتشير التقارير إلى أن هذه الشراكة ستتوسع أكثر، حيث تسعى رابطة NBA إلى جذب استثمارات إماراتية في دوري أوروبي جديد يحمل علامتها التجارية ومن المتوقع إطلاقه في عام 2027.
ويبدو أن هذا الترتيب مفيد للطرفين؛ إذ تحصل NBA على فرصة الوصول إلى مستثمر قوي ماليا وسوق عالمية متنامية، بينما تضمن الإمارات العربية المتحدة شريكا رياضيا دوليا مرموقا يعزز صورتها العالمية وسط تزايد الاتهامات بالتواطؤ في جرائم حرب وإبادة جماعية في السودان.
وردا على الانتقادات، أكدت NBA أن علاقتها مع الإمارات تتماشى مع توجيهات الحكومة الأمريكية، حيث صرح المتحدث باسم الرابطة بأن لكرة السلة تاريخاً يمتد لما يقارب قرناً من الزمان في الشرق الأوسط، مشيراً إلى أن أنشطة الرابطة الوطنية لكرة السلة (NBA) في الإمارات (كأس الإمارات لكرة السلة NBA) – والتي تشمل البث المباشر للمباريات للجماهير وتعليم أساسيات وقيم الرياضة لآلاف الأطفال سنوياً – تعد جزءاً من مهمتها في استقطاب الجماهير واللاعبين الطموحين في أكثر من 200 دولة وإقليم مع الالتزام بتوجيهات وزارة الخارجية الأمريكية.
سجل الإمارات الحقوقي
لا يمكن فصل هذا التوسع الرياضي عبر استضافة أحداث عالمية كبطولة كأس الإمارات لكرة السلة، عن سجل الإمارات في المجالين السياسي والحقوقي. فعلى الصعيد المحلي، توثق منظمات حقوق الإنسان قيوداً مشددة على الحريات العامة، بما في ذلك الاعتقال التعسفي للمعارضين والمدافعين عن حقوق الإنسان بتهم توصف على نطاق واسع بأنها لا أساس لها من الصحة. كما يعتمد الاقتصاد الإماراتي بشكل كبير على العمالة الوافدة، التي تشكل نحو 88% من القوى العاملة وسط شكاوى مستمرة من الاستغلال وضعف الحماية القانونية ومحدودية سبل الانتصاف.
وخارج حدودها، يمتد نفوذ الإمارات إلى مناطق النزاع ولا سيما السودان حيث تتزايد الأدلة التي تربط أبوظبي بدعم قوات الدعم السريع، المتهمة بارتكاب جرائم واسعة النطاق ضد المدنيين، تشمل عمليات قتل جماعي وعنفا جنسيا وتعذيبا وتشويها وهجمات ذات دوافع عرقية، لا سيما في إقليم دارفور.
واندلعت الحرب الأهلية السودانية في أبريل/نيسان 2013 نتيجة صراع عنيف على السلطة بين الجيش السوداني، بقيادة عبد الفتاح البرهان، وقوات الدعم السريع، بقيادة محمد حمدان دقلو، المعروف باسم حميدتي. ومنذ ذلك الحين، غرق السودان في دمار هائل، حيث دمرت البنية التحتية الحيوية وتفاقمت أزمة النزوح لتشهد أكبر أزمة في العالم.
ومع دخول الحرب عامها الثالث، تتفاوت تقديرات الخسائر البشرية لكنها تشير جميعها إلى حصيلة كارثية. وقد وثقت الأمم المتحدة ما يقرب من 20 ألف قتيل، بينما يقدّر باحثون من كلية لندن للصحة والطب الاستوائي أن أكثر من 61 ألف شخص قتلوا في ولاية الخرطوم وحدها، من بينهم 26 ألفا نتيجة مباشرة للعنف. كما قدم المبعوث الأمريكي الخاص السابق إلى السودان، توم بيريلو، تقييما أكثر تشاؤما مشيرا إلى أن عدد القتلى قد يصل إلى 150 ألفا.
يأتي هذا في وقت تصف فيه تقارير حقوق الإنسان، استخدام قوات الدعم السريع الممنهج للاغتصاب كسلاح حرب وتنفيذها عمليات قتل جماعي تستهدف فئات عرقية محددة لا سيما بعد سيطرتها على آخر معاقل الجيش في دارفور مما يذكر بمشاهد مرتبطة بحملات الإبادة الجماعية.
وردا على هذه الفظائع، رفعت الحكومة العسكرية السودانية دعوى أمام محكمة العدل الدولية تتهم فيها الإمارات بالتواطؤ في الإبادة الجماعية في غرب دارفور من خلال تمويل وتسليح قوات الدعم السريع، ورغم نفي أبوظبي المتكرر لأي تورط في النزاع فإن حجم الأدلة الواردة في التقارير الدولية قد غذّى الشكوك المستمرة حول هذه الادعاءات.
التبييض الرياضي
في هذا السياق، كثفت الإمارات استضافتها للفعاليات الرياضية والترفيهية الكبرى خلال الأشهر الأخيرة، بما في ذلك بطولات الكريكيت وكأس آسيا ومباريات ما قبل الموسم في دوري كرة السلة الأمريكي للمحترفين (NBA) ضمن كأس الإمارات لكرة السلة، وبطولات الفنون القتالية المختلطة (UFC) وسباقات الفورمولا 1،والحفلات الموسيقية العالمية.
وبينما عززت هذه الفعاليات مكانة الدولة كمركز رياضي عالمي، اختار عدد محدود من الفنانين والشخصيات العامة – وعلى رأسهم مغني الراب ماكليمور – مقاطعة المشاركة احتجاجا على دور الإمارات في النزاعات الإقليمية. كما جنت الدولة فوائد جمة من استثماراتها الرياضية طويلة الأجل، بما في ذلك الاستحواذ على نادي مانشستر سيتي وحصص كبيرة في الكريكيت ورياضة السيارات والتنس والسياحة الرياضية على الرغم من أن بعض مشجعي مانشستر سيتي أعربوا عن اعتراضهم على تورط الإمارات المزعوم في السودان.
وترى منظمات حقوق الإنسان مثل منظمة اللاجئين الدولية، أن هذه المشاريع الرياضية مثل كأس الإمارات لكرة السلة (NBA) الحالي، تشكل استراتيجية متعمدة لـ”تبييض السمعة عبر الرياضة” تهدف إلى التغطية على الفظائع المرتكبة في السودان وصرف الأنظار عن الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان.
وظهرت مخاوف مماثلة في أوروبا، حيث شهدت الجمعية العمومية لنادي بايرن ميونخ اعتراضات من نشطاء على اتفاقيات الرعاية مع طيران الإمارات، محذرين من أضرار محتملة على سمعة النادي. ورغم إنهاء بايرن ميونخ سابقا لعقود الرعاية مع قطر ورواندا إلا أنه حافظ على علاقته مع الإمارات وهو قرار يراه النقاد دليلا على فعالية جهود العلاقات العامة الإماراتية.
ختاماً، في خضم هذه التطورات، يتزايد التدقيق في صمت رابطة كرة السلة الأمريكية للمحترفين (NBA) وغيرها من المؤسسات الرياضية الكبرى بشأن سجل الإمارات في مجال حقوق الإنسان ودورها المزعوم في حرب السودان. ويشير المراقبون إلى أنه بينما تحتفى بقيم مثل العدالة والوحدة داخل الملاعب فإنها تتناقض مع الواقع الذي يواجهه المدنيون في مناطق النزاع. ويرى النقاد أنه عندما تُستخدم الرياضة مثل بطولة كأس الإمارات لكرة السلة (NBA) لتطبيع الانتهاكات والتستر على مزاعم الإبادة الجماعية، فإنها تخاطر بفقدان دلالتها الأخلاقية وتتحول من فضاء عالمي موحد إلى شريك صامت في مواجهة الجرائم الخطيرة.
المصدر: مسقط 24
