هبطت طائرة شحن عسكرية إماراتية من طراز إيليوشن Il-76 ورقمها FY4942 في مطار رامون الواقع جنوب إسرائيل، محملة بأربعين طنا من الأسلحة الثقيلة، في وقت سابق من الأسبوع الماضي. الرحلة تميزت بكونها غير اعتيادية، إذ تجنبت المجال الجوي الأردني، ما يشير إلى علم مسبق بحساسية المهمة من جانب دول ذات علاقات تطبيع مع الطرفين. هذا الاختيار لمسار الطيران يعكس حرصا شديدا على تجنب إثارة الجدل أو التعقيدات الدبلوماسية.
اللافت أن السلطات الإماراتية لم تصدر أي تصريح رسمي حول الرحلة، في حين أن الجانب الإسرائيلي لم ينفها أو يصر على توضيح محتواها. هذا الصمت، رغم كونه متعمدا، لم يخفي الحقيقة: رحلة عسكرية إماراتية، مسار جوي متعمد، شحنة ثقيلة نقلت تحت مظلة حماية دقيقة، وأجهزة تتبع عالمية وثقت كل التفاصيل. كل هذه المؤشرات جعلت الرواية واضحة، رغم التعتيم الرسمي.
تعاون وشراكة: طائرة شحن عسكرية إماراتية
نقل السلاح عبر طائرة شحن عسكرية إماراتية لم يكن سوى حلقة واحدة في سلسلة تعاون واسع وحقيقي بين الإمارات وإسرائيل، امتد من التبادل الاستخباراتي إلى شراكات تصنيعية ضخمة. فشركة EDGE الإماراتية لم تقتصر مشاركتها على التمويل فقط، بل دخلت في اتفاقات أعمق مع شركة Elbit Systems الإسرائيلية لتوريد طائرات مسيرة من طراز Hermes 900، تشمل نقل التكنولوجيا والتطوير المحلي داخل الإمارات.
وفي مطلع عام 2025، أعلنت شركة EDGE عن شراء حصة 30% من الشركة الإسرائيلية Thirdeye Systems، التي تطور أنظمة تمييز بصري مثبتة على طائرات بدون طيار، وتدعمها بتقنيات الذكاء الاصطناعي. الصفقة بلغت نحو 10 ملايين دولار، مع استثمار إضافي يبلغ 12 مليون دولار لإنشاء كيان مشترك يغلب على ملكيته الجانب الإماراتي. وقد ذكرت مصادر أن EDGE أصبحت بذلك أكبر مساهم في Thirdeye.
وفي معرض IDEX 2025 العسكري في أبوظبي، شاركت 34–40 شركة إسرائيلية، بما فيها IAI وElbit وRafael وIMI، في عرض علني واسع لمعداتها العسكرية، وسط تفاعل كبير من الجمهور الخليجي والعالمي. هذا التواجد المكثف جاء بعد أن نقلت هذه الشركات أسلحتها إلى ساحات القتال في غزة، ومدنها الإسرائيلية، وفُرض عليها ضغط دولي بسبب ذلك، لكن الإمارات استمرت في إيوائها وعرضها أمام الزوار بكل وضوح.
استخبارات وتجارة سلاح ضخمة
منصة “كريستالا” للاستخبارات المشتركة: يُقال إن أنظمة استخباراتية مشتركة بين الإمارات وإسرائيل تعمل تحت مظلة منصة أُطلق عليها اسم “الكريستالا”، تجمع البيانات حول التهديدات الإلكترونية والعملياتية، وتوحي بوجود شراكة استخبارية حقيقية على الأرض.
شبكة توريد معقدة تشمل دولا ثالثة: العلاقة الإماراتية الإسرائيلية تشمل أيضا أطرافا ثالثة، مثل صربيا، عبر شركات مثل Yugoimport-SDPR التي صدرت كميات كبيرة من الأسلحة لإسرائيل، في إطار شبكة تسليح إقليمية يقال أنها تخدم مصالح عربية إسرائيلية.
وفي عام 2022، شكلت الدول العربية ما نسبته 24% من صادرات السلاح الإسرائيلية؛ وفي 2024، بلغ إجمالي الصادرات نحو 14.8 مليار دولار، 12% منها ذهبت للدول الموقعة على اتفاقات التطبيع، وعلى رأسها الإمارات.
هذا يعكس ليس مجرد تجارة بل تحول إلى شريك دائم في تجارة وتجهيز السلاح الإسرائيلي.
شراكة إستراتيجية رغم الإبادة في غزة
طائرة شحن عسكرية إماراتية تنقل سلاحاً لإسرائيل ليس حالة فردية أو واقعة عابرة، بل هو تجسيد علني لمستوى عميق من الترابط العسكري والأمني بين الإمارات وإسرائيل:
- تعاون صناعي عميق ومدعوم بتمويل وتكنولوجيا
- استثمار في الذكاء الاصطناعي والمراقبة باتجاه تعزيز السيطرة والردع
- تشجيع علني للتسليح الإسرائيلي تحت مظلة التطبيع
- شبكة تعاون استخباراتي وعسكري تتعدى حدود الطرفين لتطال دولا ثالثة
ورغم أن الإمارات تُقدّم كبلد عربي وإسلامي يفترض أن يكون في مقدمة الداعمين للشعب الفلسطيني، فإن شراكتها العسكرية مع إسرائيل تكشف عن مفارقة صارخة. ففي الوقت الذي تتعرض فيه غزة لحصار خانق وقصف متواصل يُتهم الاحتلال باستخدام المجاعة كسلاح فيه، تواصل أبوظبي إبرام صفقات تسليح واستثمارات دفاعية مع الشركات الإسرائيلية، بل وتستقبل طائراتها في مطاراتها ومعارضها العسكرية.
هذا التناقض يضع الإمارات في موقف حساس أمام الرأي العام العربي والإسلامي، إذ يظهرها وكأنها تساهم بشكل غير مباشر في تمويل آلة الحرب التي تستهدف المدنيين الفلسطينيين، بدلا من أن تكون قوة إسناد ودعم سياسي وإنساني لهم. وهنا، تصبح طائرة شحن عسكرية إماراتية ليست مجرد وسيلة لنقل السلاح، بل رمزا لعلاقة تتجاوز حدود “التطبيع” لتصل إلى شراكة استراتيجية تواكب إبادة مستمرة في غزة.
وبينما يجري كل ذلك في قطاع غزة وتعاني ماتعانيه من قصف وقتل وتجويع، تبني الإمارات جسور سلاح واستثمار مع صناعات الدفاع الإسرائيلية، ومسك أدوات الحرب أكثر مما هو مسموح به في العالم الغربي. بينما تُلغى في الوقت ذاته الصفقات مع إسرائيل في دول مثل إسبانيا وتطالب أغلبية في بريطانيا بفرض حظر سلاح شامل ويتسقيل كبار رجال الدولة في هولندا لفرض عقوبات على الاحتلال الإسرائيلي.
المصدر: مسقط 24
