سلط تقرير تحليلي جديد الضوء على دور الإمارات الإقليمي في الآونة الأخيرة، كاشفا عن استراتيجية تتجاوز الاستثمارات السياسية والدبلوماسية لتشمل استخدام المرتزقة والقوات بالوكالة وإمكانية تطبيق مثل هذا النموذج في قطاع غزة تحت غطاء قوة الاستقرار الدولية المزعومة لتحقيق الاستقرار.
نشر الصحفي الإسرائيلي تسفي بارئيل، مقالا تحليليا في صحيفة هآرتس الإسرائيلية مسلطاً الضوء على ملامح دور الإمارات الإقليمي الجديد مع تعثر جهود الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لتشكيل قوة متعددة الجنسيات تحت مسمى “قوة الاستقرار الدولية” لتأمين غزة، والتي لم تلق حماسا دوليا باستثناء تركيا، وتنتظر إنشاء مجلس سلام إشرافي وصياغة الولاية أو التفويض القانوني للقوة.
دور الإمارات الإقليمي: كولومبيين
من أبرز ما كشف عنه التقرير هو اعتماد الإمارات المقترح على مرتزقة كولومبيين، حيث ينقل التقرير عن محلل إماراتي مقرب من مراكز القرار في الإمارات ويعمل ضمن وسائل الإعلام التابعة لها، اقتراحه ضمن إجابة عندما سئل عن إمكانية مشاركة جنود إماراتيين في غزة: “جنودنا لا.. لكن يمكن إرسال مرتزقة كولومبيين”.
المرتزقة الكولومبيين سبق وأن تم توظيفهم لحماية منشآت النفط الإماراتية وشاركوا أيضاً في الحرب في اليمن، كما ينشطون حالياً في السودان حيث يُزعم مشاركتهم في مجازر وجرائم حرب بصفتهم عملاء غير مباشرين لأبوظبي على الرغم من نفي الإمارات المتكرر لأي تورط لها في الحرب الحالية في السودان.
وتشير التحقيقات إلى أن هؤلاء المرتزقة يتم تجنيدهم عبر شركات أمنية مقرها الإمارات، وتدريبهم في الصومال، ثم نشرهم في مناطق النزاع وغالباً ما يتقاضون رواتب شهرية تتراوح بين 2600 و6000 دولار أمريكي.
كما يسلط التقرير الضوء على الجوانب المظلمة لدور الإمارات الإقليمي عبر تجنيد المقاتلين بالوكالة بما في ذلك تدريب آلاف المقاتلين المحليين، معظهم من المراهقين، على استخدام بنادق هجومية ورشاشات وقذائف آر بي جي قبل إرسالهم إلى الخطوط الأمامية. ويثير هذا الأمر مخاوف من أن يؤدي تطبيق مثل هذا النموذج على غزة إلى ترسيخ “صناعة القتل بالوكالة”، مما يفاقم ويواصل دوامات العنف واستغلال القاصرين في مناطق النزاع.
تنافس جيوسياسي
في كل من اليمن والسودان، ارتبط دور الإمارات الإقليمي بتنافس جيوسياسي واسع مع السعودية، فبينما يُقدم البلدان نفسيهما كحليفين للغرب وموالين للولايات المتحدة ويستثمران مليارات الدولارات في التكنولوجيا المتقدمة، إلا أن تنافسهما قد قوض الجهود المبذولة لحل الحروب والنزاعات القائمة.
في اليمن، تدعم الإمارات المجلس الانتقالي الجنوبي بقيادة عيدروس الزبيدي، الذي يضم نحو 50 ألف مقاتل، حيث ينتهج هذا المجلس سلوكاً انفصاليا إذ أحكم السيطرة على عدن وحضرموت والمهرة، كما أنشأ قواعد في مواقع استراتيجية مثل أرخبيل سقطرى التي يعتقد أن إسرائيل تستخدم بعضها. وقد أثر هذا التوسع بشكل كبير على قدرة المجلس الرئاسي المعترف به دولياً وقوات درع الوطن المدعومة سعوديا، ومهد الطريق لتقاسم النفوذ ولربما إعلان الانفصال في الجنوب.
ولا يختلف كثيراً دور الإمارات الإقليمي في السودان عن اليمن، حيث تحالفت الإمارات مع محمد حمدان دقلو المعروف باسم “حميدتي” قائد قوات الدعم السريع والمتهم بارتكاب إبادة جماعية في دارفور. ومن خلال هذا التحالف، ضمنت أبوظبي مكاسب اقتصادية شملت عمليات تهريب الذهب واستثمارات في أراض زراعية تتجاوز قيمتها 1.5 مليون دونم، إلى جانب سعيها للسيطرة على ساحل السودان على البحر الأحمر. وتعد هذه التحركات جزءا من استراتيجية أوسع نطاقا لترسيخ النفوذ على الموارد البحرية والغذائية الاستراتيجية. وقد تفاقمت الحرب الدائرة في السودان بسبب التنافس للسيطرة على الموارد وأخذ النفوذ، ما أسفر عن كارثة إنسانية أدت إلى نزوح الملايين ومقتل عشرات الآلاف.
وتؤكد صحيفة هآرتس أن دور الإمارات الإقليمي واستراتيجيتها في اليمن والسودان قد يصبح نموذجا يتم العمل به في غزة إذا ما تم نشر ما يسمى قوة “الاستقرار الدولية” بحيث تعتمد على المرتزقة والقوات المحلية الوكيلة بدلا من معالجة المشاكل الحالية.
ويحذر التقرير من أن إشراك المرتزقة وقوة الاستقرار التي تديرها جهات خارجية بدون حلول سياسية شاملة، من شأنه أن يؤدي إلى استمرار دوامات العنف والمعاناة الإنسانية.
ويضع التقرير هذه التطورات في سياق السياسة الخارجية الأمريكية، فعلى الرغم من محاولات ترامب للتوسط في إنهاء الصراعات في السوادن واليمن إلا أن واشنطن حافظت إلى حد كبير على موقف محايد، حرصا منها على عدم إثارة غضب أبو ظبي أو الرياض اللتان وعدتانها باستثمارات بمليارات الدولارات.
ختاماً، يصور تقرير هآرتس دور الإمارات الإقليمي على أنه استغلال للمرتزقة والقوات الوكيلة والنزاعات المحلية لتوسيع النفوذ ولو كان على حساب أرواح المدنيين والاستقرار والسلام الإقليمي. ومن اليمن إلى السودان وربما إلى غزة، يشير هذا النموذج كيف يمكن أن يزيد التنافس الجيوسياسي والتدخلات العسكرية من الأزمات الإنسانية، مما يثير تساؤلات جدية حول العواقب طويلة الأمد لشرعنة أو غض النظر عن مثل هذه النماذج تحت ستار تحقيق الاستقرار.
المصدر: مسقط 24 + متابعات
