في تغيير لميزان القوى في اليمن، قررت السعودية مؤخراً سحب قوات درع الوطن التابعة لها من معسكراتها في عدن ولحج وإعادة نشرها لتتموضع باتجاه العبر في حضرموت، مما أثار تساؤلات واسعة حول دوافع هذه الحركة وتداعياتها.
الجدير ذكره أن هذه الخطوة تأتي متزامنة تقريبا مع توسيع المجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم إماراتيا، سيطرته على المحافظات الشرقية بما فيها حضرموت والمهرة، مما يشير إلى تحول جذري في المشهد السياسي والعسكري الجنوبي لليمن.
انسحاب قوات درع الوطن
أنشئت قوات درع الوطن بموجب مرسوم رئاسي من رشاد العليمي (رئيس مجلس القيادة الرئاسي) في يناير 2023 وتعمل تحت إشراف سعودي، حيث كانت تمثل سابقاً الوجود العسكري الرئيسي للرياض في الجنوب.
ويمثل انسحابها اليوم نقطة تحول تعكس تراجع قدرة الرياض بشكل كبير على بسط نفوذها في المناطق التي يهيمن عليها المجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم من الإمارات. كما يشير الانتشار باتجاه العبر قرب الحدود السعودية، إلى محاولة استراتيجية لحماية الأمن القومي مع إعادة تقييم التدخل السعودي في ظل النفوذ الإماراتي المتزايد.
في الأيام الأخيرة، انسحبت قوات درع الوطن من قصر معاشق الرئاسي ومطار عدن ومعسكر بريقة غرب عدن، حيث كانت متمركزة إلى جانب القوات السودانية. وأفادت التقارير أن قوات المجلس الانتقالي الجنوبي منعت محاولات الانتشار في حضرموت وهي تسيطر الآن على معابر حدودية رئيسية وممرات استراتيجية على طول بحر العرب، وكذلك على أجزاء واسعة من المهرة، مما يعزز نفوذ أبوظبي في جنوب اليمن.
ويشير توسع نفوذ المجلس الانتقالي الجنوبي إلى حملة منسقة بعناية للسيطرة على المناطق الجنوبية دون الدخول في صراع مباشر مع قوات درع الوطن.
وقد أثارت هذه التحركات اتهامات من رشاد العليمي للمجلس الانتقالي الجنوبي، واصفا تحركاته بأنها إجراءات أحادية الجانب تهدد وحدة الأمن اليمني وصنع القرار العسكري.
ويعزي معظم المحللين السبب إلى الانقسامات داخل المجلس القيادي الرئاسي بين الفصائل الموالية للإمارات من جهة وأنصار العليمي والكتل الأخرى المهمشة أو المعارضة من جهة أخرى. ويؤكد المحللين أن هذه الانقسامات أعاقت الاستجابة في الوقت المناسب مما جعل قوات درع الوطن المدعومة من السعودية مكشوفة وقلل من نفوذ الرياض على الأرض.
وحول الانحاز الكامل للقادة المدعومون من الإمارات بما فيهم عيدروس الزبيدي، فرج البحساني وطارق صالح، لمناورات المجلس الانتقالي الجنوبي، التوسع إلى أمر واقع وكشف عن اختلال التوازن داخل هياكل الحكم في اليمن.
دوافع الانسحاب والتنافس
وتسلط هذه التطورات الضوء على تحديات طويلة الأمد ناجمة عن التدخل العسكري للتحالف منذ عملية عاصفة الحزم عام 2015، حيث وعد كل من السعودية والإمارات حينها باستعادة الشرعية والاستقرار في اليمن إلا أن النتيجة كانت تفتيت مؤسسات الدولة وصعود جماعات وفصائل مسلحة وتقسيم الأراضي وفقاً لحدود الأمر الواقع. وهنا سعت أبوظبي إلى تعزيز سيطرتها على الموانئ الجنوبية والسواحل والممرات الاستراتيجية، مما أدى إلى تقييد السعودية بشكل كبير حيث باتت مضطرة لإدارة أمن الحدود وإعادة تقييم تحالفاتها في ظل مجلس رئاسي منقسم.
وبما يخص دوافع الانسحاب لقوات درع الوطن، يشير المراقبين والمحللين إلى عدة أسباب:
- يعكس هذا الانسحاب فقدان القدرة على فرض توازن عسكري في جنوب اليمن، حيث يهيمن المجلس الانتقالي الجنوبي الآن على مناطق رئيسية.
- يعطي إعادة نشر قوات درع الوطن باتجاه العبر الأولوية لحماية الحدود السعودية وسط جبهات جديدة في حضرموت.
- قد يكون الانسحاب بمثابة رسالة سياسية إلى أبوظبي لخلق فراغ أمني يزيد من مسؤولية المجلس الانتقالي الجنوبي ويضغط على الإمارات للتفاوض بشأن النفوذ والسيطرة الإقليمية.
- يؤكد هذا الانسحاب على ضرورة إعادة الرياض تقييم اعتمادها على العليمي والمجلس الرئاسي اللذين أثبتا قابليتهما للتأثر بالنفوذ المدعوم من الإمارات.
أما بالنسبة للمجلس الانتقالي الجنوبي، تمثل هذه التحركات خطوة حاسمة نحو توطيد سلطته في الجنوب، إذ وصف رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي عيدروس الزبيدي، الوضع بأنه “مرحلة مصيرية ووجودية” لجنوب اليمن، مؤكدا أن المرحلة المقبلة ستركز على بناء الهياكل المؤسسية لما يتصوره المجلس كـ”دولة الجنوب”. كما تظهر سيطرة المجلس على وادي حضرموت والمهرة، مدى تأثيره في تشكيل الواقع السياسي والعسكري في جنوب اليمن.
ويتفق المحللون على أن الأحداث الأخيرة تكشف عن إعادة توازن استراتيجية للقوى بين الرياض وأبوظبي، حيث من غير المرجح أن تدخل السعودية في مواجهة مباشرة مع حليفها السابق، إلا أنها أيضاَ لا تستطيع قبول تفتيت اليمن لا سيما على طول حدودها الشرقية. وبالتالي تواجه الآن خيارا حاسما؛ إما التخلي عن مشروع الشرعية الذي تم الدفاع عنه حوالي عقد من الزمان أو إعادة هيكلة التحالفات لمواجهة التوسع الإماراتي، حيث أصبح الجنوب ساحة لتحديد النفوذ بين شريكين سابقين في التحالف.
ختاماً، يبرز إعادة انتشار وتموضع قوات درع الوطن المدعومة سعوديا وعلى الجانب الآخر توسع المجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم إماراتيا، هشاشة المشهد السياسي والعسكري اليمني وتعقيده تاركين اليمنيين يواجهون تبعات صراعٍ طالما شكلته التدخلات الخارجية والأجندات المتنافسة.
المصدر: مسقط 24 + متابعات
