في خطوة غير مسبوقة في الأوساط الأكاديمية الأمريكية منذ سنوات عديدة، صوّت طلاب جامعة ميريلاند وهي إحدى أكبر الجامعات الحكومية في الولايات المتحدة، على قرار تاريخي يدعو إلى قطع جميع العلاقات الأكاديمية مع الإمارات، إذ يستهدف القرار إنهاء برنامج أبوظبي للأعمال والابتكار، وهو آخر مبادرة جامعية أمريكية متبقية في الإمارات، ما يشير إلى موقف جريء يتجاوز مجرد الرمزية.
يمثل هذا القرار نقطة تحول في الوعي الشعبي لسكان الولايات المتحدة بسياسات أبوظبي الخارجية، لا سيما فيما يتعلق بالحرب الحالية في السودان، ويعكس صحوة أوسع بين الطلاب الأمريكيين تجاه المسؤوليات الأخلاقية لمؤسساتهم.
استياء طلاب جامعة ميريلاند
يأتي هذا القرار في ظل العديد من التقارير الغربية والحقوقية على دور الإمارات في تمويل وتسليح قوات الدعم السريع في السودان التي تورطت في جرائم إبادة جماعية وتطهير عرقي وتدمير مدن في مناطق مثل الجنينة والفاشر، حيث تؤكد تقارير الأمم المتحدة والصحافة الاستقصائية وشهادات مباشرة لأشخاص ناجيين من المجازر، الدعم الإماراتي الواسع لقوات الدعم السريع بما يشمل التحويلات المالية وشحنات الأسلحة وكذلك تزويدهم بالطائرات المسيّرة الهجومية والمساعدة اللوجستية عبر قواعد في تشاد وليبيا. ووفقا لقارير استخباراتية غربية نشرت مؤخرا، أصبحت هذه القوات وكيلا إماراتيا فعليا مكلفا بالسيطرة على موارد السودان من الذهب إلى الموانئ بالقوة.
ونتيجةً لذلك يؤكد طلاب جامعة ميريلاند أن هذا الوضع غير مقبول أخلاقيا، حيث أوضحت مذكرتهم أن استمرار التعاون الأكاديمي مع الإمارات يُورّط الجامعة بشكل غير مباشر في دعم سياسات تخالف المبادئ الأخلاقية الأساسية التي تقوم عليها مؤسسات التعليم العالي الأمريكية.
ويضيف طلاب جامعة ميريلاند، أنه لا ينبغي لأي جامعة أن تُسهل شراكات مع دولة متهمة بتمويل المسؤولين عن عمليات مثل القتل الجماعي والتهجير القسري والجرائم ضد الإنسانية. وينص قرارهم بشكل صريح على أن “لا شراكة أكاديمية مع دولة تتحول تدريجيا إلى نسخة أخرى من إسرائيل”.
وجهان لعملة واحدة
وفي هذا السياق، يجري طلاب جامعة ميريلاند مقارنات بين دور أبوظبي في السودان والاحتلال الإسرائيلي في فلسطين. إذ أصحبت الإمارات بعد اتفاقيات أبراهام شريكا رئيسيا لإسرائيل بحيث انخرطت في مشاريع استخباراتية وأمنية مشتركة، ووسعت نطاق تعاونها الدبلوماسي والاقتصادي والعسكري معها أيضاً.
ويؤكد طلاب جامعة ميريلاند، الذين قادوا سابقا حملات للدفاع عن حقوق الفلسطينيين، أن في أبوظبي ماهي إلا امتداد للنظام الإسرائيلي نفسه بسياسات مماثلة مثل: دعم الاحتلال والتستر على جرائم الحرب واستخدام المال للتلاعب بالروايات وتصعيد التدخلات العسكرية. وبالنسبة لهم فإن الوقوف ضد إسرائيل مع تجاهل أنشطة الإمارات يعد ازدواجية في المعايير.
كما يُمثل قرار جامعة ميريلاند تحديا للنفوذ السياسي المالي الراسخ في الأوساط الأكاديمية. فعلى مدى سنوات استثمرت الإمارات ملايين الدولارات في الجامعات الغربية، ممولة مراكز الأبحاث وراعية المؤتمرات سعياً منها لشراء المكانة والنفوذ.
وشمل هذا الجهد بناء شراكات تعليمية تهدف إلى تحسين صورتها رغم تدخلاتها الخارجية المثيرة للجدل. ويظهر تصويت طلاب جامعة ميريلاند أن جيلا جديدا من الطلاب يرفض السماح للحوافز المالية بالتغلب على المساءلة الأخلاقية. وكما صرحوا بوضوح: “لا يمكن محو الدماء بالمال ولا يمكن إسكات الوعي بالضغط أو التبرعات”.
وتتجاوز تداعيات قرار طلاب جامعة ميريلاند حدود الحرم الجامعي بكثير. إذ تدير الجامعات الأمريكية شبكات واسعة من البرامج في منطقة الخليج يُمول الكثير منها من قِبل الإمارات.
وتواجه مؤسسات أخرى مثل هارفارد وميشيغان ونيويورك وكاليفورنيا، تدقيقا متزايدا بشأن علاقات مماثلة. ويتساءل المراقبون عما إذا كانت ميريلاند ستشعل شرارة مقاطعة أكاديمية أوسع على غرار ما شهدته حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات (BDS) ضد إسرائيل. أما بالنسبة لأبوظبي، فتمثل هذه الخطوة تهديدا محتملا بالعزلة الأكاديمية الدولية، ما قد يهدد عقودا من الجهود المبذولة لتعزيز النفوذ والشرعية في الخارج.
ويأتي هذا القرار غير المسبوق في وقت تم وضع الإمارات فيه تحت المجهر داخل الأوساط السياسية الأمريكية، حيث قُدمت مشاريع قوانين في الكونغرس للتحقيق في تمويل أبوظبي لقوات الدعم السريع ودورها الأوسع في زعزعة استقرار منطقتي القرن الأفريقي والبحر الأحمر.
وفي هذا السياق، يوجه طلاب جامعة ميريلاند رسالة واضحة ألا وهي أنه لا يمكن للجامعات أن تنأى بنفسها عن الحقائق السياسية فيما يتعلق بجرائم الحرب وانتهاكات حقوق الإنسان وأن التبرعات المالية لا توفر غطاء أخلاقياً للفظائع الموثقة.
ختاماً، يرى طلاب جامعة ميريلاند أن هذا القرار أكثر من مجرد فعل رمزي أو عابر، بل هو بداية عهد جديد في الأوساط الأكاديمية الأمريكية، عهدٌ تعطى فيه الأولوية للمساءلة الأخلاقية وحقوق الإنسان على التمويل الاستراتيجي أو الاعتبارات الدبلوماسية.
ومن خلال تحديهم لاستخدام الإمارات للشراكات التعليمية لتبييض سجلها، فتح طلاب ميريلاند الباب أمام موجة وعي محتملة في الجامعات الأمريكية، وذلك بإيصال رسالة واضحة: “لا يمكن لمؤسسات التعليم العالي أن تتواطأ في جرائم ترتكب في الخارج، والمسؤولية الأخلاقية تفوق المصالح الاقتصادية”. ومع اكتساب الحركة زخما فإنها تشير إلى تحول جذري في العلاقة بين الجامعات الأمريكية والدول المتورطة في النزاعات والقمع.
المصدر: مسقط 24 + متابعات
