في سابقة جديدة أشعلت جدلا واسعا، حذفت قناة الإخبارية السعودية جزءاً من خطبة الجمعة في المسجد الحرام بمكة المكرمة والتي ألقاها الشيخ صالح بن حميد، حيث يظهر في في المقطع المحذوف، دعاء الخطيب صراحةً للأخذ من الأطفال الفلسطينيين “قدوة في الشجاعة والبطولة في مواجهة العدو الصهيوني”.
في تصرف مثير للجدل من قبل السعودية، قامت قناة الإخبارية السعودية الرسمية بحذف جزء من خطبة الجمعة بالمسجد الحرام بينما أبقت على أجزاء أخرى من الخطبة بما فيه الدعاء بالعموم بالنصر للشعب الفلسطيني، وقد أثار حذف هذا المقطع تحديداً موجةً من الانتقادات والتساؤلات حول حدود الخطاب في وسائل الإعلام السعودية الرسمية لا سيما فيما يتعلق بفلسطين والمقاومة.
قناة الإخبارية السعودية: حذف انتقائي
عرّف الخطيب الشيخ صالح بن حميد خلال خطبته، الرجولة بأنها قيمة أخلاقية ودينية شاملة متجذرة في الحكمة والنبل والإيمان والفضيلة، مؤكداً على أن الرجولة الحقيقية تتضمن التمسك بالدين والمبادئ الأخلاقية والاعتزاز بالأصل والشعور بالانتماء إلى المجتمع. في المقابل، حذر بن حميد من أن السطحية والتفاخر والإفراط في استخدام وسائل التواصل الاجتماعي تشير إلى ضعف هذه القيم.
وفي هذا السياق، أبرز الخطيب أطفال فلسطين كقدوة حسنة، قائلاً: “اجعلوا أطفال فلسطين مثالاً يحتذى به، يتعلم منه أبناؤكم الرجولة ومواقف الأبطال في مواجهة العدو الصهيوني الظالم”. وأكد كذلك أن فلسطين والقدس ستظلان حاضرتين في قلوب المسلمين والعرب، مردداً بذلك خطاباً راسخاً من منبر المسجد الحرام.
ولكن الحذف الانتقائي الذي قامت به قناة الإخبارية السعودية، أثار ردود فعل غاضبة على وسائل التواصل الاجتماعي، حيث انتقد ناشطون ومعلقون قناة الإخبارية السعودية لحذفها الثناء الواضح على المقاومة الفلسطينية مع الإبقاء على دعاء عام غير سياسي. ووصف كثيرون هذه الخطوة بأنها شكل من أشكال الرقابة السياسية التي تغير مضمون الخطبة، لا سيما أنها أُلقيت كاملةً وعلناً على المصلين. ورأى النقاد أن قرار القناة يبدو أنه يهدف إلى تجنب إثارة غضب جهات خارجية أي سياسي بحت.
التحليلات والتعليقات تشير إلى أن الحذف ماهو إلا انعكاس للسياسة السعودية في خطابها حول فلسطين الذي طرق عليه الكثير من التغيير منذ تسلم ولي العهد السعودي محمد بن سلمان زمام السلطة بشكل فعلي، فبينما كانت القضايا الفلسطينية تاريخياً محورية في الخطابات الدينية والسياسية والإعلامية، انحصر ذكرها اليوم على القضايا الإنسانية والابتعاد عن أي لغة أو وصف يشيد بالمقاومة أو يذكر الاحتلال الإسرائيلي صراحةً. ويجسد حذف إشادة الخطيب بالأطفال الفلسطينيين كقدوة في الشجاعة من قبل قناة الإخبارية السعودية هذا التوجه، ما يوحي بأن وسائل الإعلام الرسمية باتت توجه وتدار بناءً على الحسابات السياسية,
وتلقي هذه الحادثة بظلالها أيضاً على السياق الأوسع لموقف السعودية الإقليمي المتطور. ويتماشى هذا الحجب الانتقائي مع الجهود الأخيرة التي يبذلها محمد بن سلمان ومسؤولون سعوديون آخرون لتقديم أنفسهم كشركاء مقبولين في ترتيبات إقليمية جديدة، بما في ذلك التطبيع الضمني أو الصريح مع إسرائيل. وفي هذا السياق، يبعث الحذف برسالة سياسية واضحة: التعبير عن التعاطف مع فلسطين مقبول، لكن التمجيد العلني للمقاومة أو النقد المباشر لإسرائيل غير مستحب.
ختاماً، يعد اجتزاء الخطبة وحذف قسم منها من قناة الإخبارية السعودية الرسمية أكثر من مجرد خيار تحريري بسيط، بل يشير هذا الحذف إلى مرحلة جديدة يجري فيها تعديل الخطاب الديني والإعلامي في السعودية ليتماشى مع أولويات السلطة السياسية، إذ يُسمح بالتعبير عن التعاطف مع فلسطين لكن الدعوات إلى البطولة أو المقاومة ممنوعة. وهنا يرى العديد من المراقبين والمحللين أن الحادثة تؤكد كيف أن مسار التقارب الإقليمي قد يمتد الآن حتى عبر منبر المسجد الحرام ليحدد ما هو مسموح به في التعبير الديني العلني.
المصدر: مسقط 24 + متابعات
