فتح باب التملك يفاقم أزمة العقار ويزيد التباين السعودي

بيع الكحول في السعودية

في خطوة جديدة من سلسلة “التحولات الجريئة” التي يروج لها ولي العهد السعودي ضمن رؤيته 2030، أعلنت السلطات السعودية رسميا عن فتح باب التملك للأجانب، بما يشمل مناطق حساسة دينيا واجتماعيا مثل مكة المكرمة والمدينة المنورة.

وبينما تحتفي الرواية الرسمية بهذه الخطوة باعتبارها بوابة لتنويع الاقتصاد وجذب الاستثمارات، يراها مراقبون ومحللون اقتصاديون مؤشراً على تعمق الأزمة الاقتصادية داخل المملكة، واضطراب بنية السوق العقارية وافتقار الخطط الحكومية إلى الواقعية الاجتماعية.

فتح باب التملك وسط ركود وتقلب للأسعار

يرتبط الإعلان الأخير بواقع اقتصادي مقلق تعيشه المملكة، حيث تشير أرقام الهيئة العامة للإحصاء إلى تصاعد غير مسبوق في أسعار الإيجارات السكنية والتجارية، بلغ 7.6% خلال يونيو فقط. ويترافق ذلك مع تراجع وتيرة النمو غير النفطي، وركود السوق العقارية في بعض المدن الرئيسية.

في ظل هذا المشهد، يأتي قرار فتح باب التملك وكأنه محاولة مكشوفة لخلق سيولة سريعة في السوق بدلاً من معالجة جذور الأزمة، وهو ما يعزز المخاوف من أن الخطوة قد تزيد من تهميش المواطنين في تلبية احتياجاتهم السكنية الأساسية.

الحكومة تسوق هذا القرار بوصفه “نقلة نوعية” تعكس الثقة الدولية بالبيئة الاستثمارية في المملكة، وتفتح آفاقا جديدة أمام التطوير العمراني والسياحي. لكن هذا السرد يصطدم بواقع واضح: غياب التوازن بين الطموحات الاقتصادية والاحتياجات الاجتماعية.

فبدلاً من توفير حلول واقعية لأزمة السكن الخانقة في المدن الكبرى، تتجه الحكومة نحو قرارات تعزز من سيطرة رؤوس الأموال الأجنبية على العقارات، خاصة في المدن المقدسة، ما يُضعف مكانة المواطن ويزيد من شعور التهميش داخل وطنه.

الفجوة بين الطموح والواقع وأزمة الهوية

المفارقة أن فتح باب التملك يتزامن مع تباطؤ كبير في تنفيذ المشاريع الكبرى مثل “ذا لاين”، الذي تراجع من آلاف الكيلومترات إلى بضع مراحل تجريبية. هذا التراجع يعكس ارتباكاً في التخطيط وعدم قدرة الدولة على تنفيذ وعودها ضمن الجداول الزمنية المعلنة.

ومن هنا، يتساءل المتابعون: إذا كانت المشاريع الداخلية تتعثر، فكيف سيتم إدارة تدفق المستثمرين الأجانب؟ وهل هذه الخطوة تعني التخلي عن خطط إصلاح الاقتصاد الحقيقي لصالح ضخ أموال قصيرة الأجل من الخارج؟

وأكثر ما يثير الجدل أن قرار فتح باب التملك يشمل مواقع حساسة مثل مكة والمدينة، مع تعهدات بتنظيم ذلك بضوابط “تحافظ على قدسية المكان”، لكن التجارب السابقة تُظهر هشاشة هذه الضوابط أمام تغول المال. فمشاريع ضخمة استبدلت الحارات التاريخية في مكة بأبراج تجارية، وساهمت في طمس الهوية الإسلامية والمعمارية.

والآن، بدلاً من تصحيح هذا المسار، يتم تعزيزه عبر السماح لأجانب بشراء العقارات، ما يُعيد رسم الخريطة السكنية والرمزية للمدن المقدسة وفق منطق السوق وليس القيمة الثقافية والدينية.

فتح الباب للتملك أمام الأجانب في السعودية

هل يخدم فتح باب التملك المواطن؟ 

شريحة كبيرة من المواطنين السعوديين لا تملك القدرة على تملك العقارات بأسعار السوق الحالية، فكيف سيكون الوضع حين يتم ضخ مليارات الريالات من مستثمرين أجانب، قادمين من دول متعددة وغالباً من دول شرق آسيا والخليج؟ الأثر المباشر سيكون ارتفاعاً متسارعاً في الأسعار، وانكماشا في فرص التملك للمواطن.

في المقابل، ستكون صناديق الاستثمار العالمية والمستثمرون الأثرياء هم المستفيد الأول من سياسة فتح باب التملك، وهو ما يعكس انحرافا في أولويات السياسات العامة باتجاه خدمة المستثمر لا المواطن.

في ظل هذا القرار، تغيب أي إشارة إلى آليات لحماية المواطن من آثار تضخم السوق. لا قوانين ضابطة للأسعار، ولا مشاريع إسكان شعبي موازية لخطط التملك الأجنبي. حتى برامج دعم الإسكان مثل “سكني” لا تغطي الاحتياجات الحقيقية للفئات المتوسطة والفقيرة.

وهكذا، يبدو أن فتح باب التملك لا يُراد منه إلا إرضاء المستثمرين الخارجيين، فيما يُترك المواطن لمواجهة السوق المفترسة، بلا أدوات ولا حماية.

ختاماً، من الناحية الظاهرية، يبدو أن فتح باب التملك في السعودية يهدف إلى تنشيط السوق العقارية وتحقيق أهداف رؤية 2030، لكنه في الحقيقة يعكس اضطراباً أعمق في بنية الاقتصاد، وافتقار السياسات العامة إلى منظور شامل للعدالة الاجتماعية والتوازن السكاني. فالسماح للأجانب بالتملك في مدن مقدسة وفي ظل أزمة سكن داخلية ليس إصلاحاً، بل مخاطرة قد تؤدي إلى تفاقم التفاوت الاجتماعي وضياع الهوية العمرانية. ما تحتاجه السعودية اليوم ليس تدفق رؤوس أموال أجنبية مؤقتة، بل إصلاح حقيقي يبدأ من الداخل، يعيد الاعتبار للمواطن ويضعه في قلب أي رؤية مستقبلية، لا على هامشها.

المصدر: مسقط 24

→ السابق

انهيار الجنود الإسرائيليين وانتحارهم أمام حرب غزة والمقاومة

التالي ←

الاتحاد الأوروبي يقر أقوى حزمة عقوبات ضد روسيا

اترك تعليقاََ

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

الأكثر قراءة